تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٨ - فصل مبدأ الخير و الشر
فصل [مبدأ الخير و الشر]
لما كانت الزيادة من جنس المزيد عليه و قد علمت إنّ مرض القلب هي الصفات المضادّة لأفعاله و آثاره الخاصّة التي أصلها الايمان باللّه و المعرفة بآياته و كتبه و ملائكته و رسله و اليوم الآخر، فرئيس الأمراض القلبيّة هي الكفر باللّه و الجهل بهذه الأمور فقوله: فزادهم اللّه مرضا. محمول على الكفر و الجهل، فيلزم أن يكون اللّه فاعلا للكفر و الجهل.
و هذا ممّا استشكله جماعة كالثنويّة و المجوس الذين جعلوا فاعل الشرور مبدأ آخر غير فاعل الخيرات و قالوا بأصلين قديمين هما عندهم النور و الظلمة، أو يزدان و أهرمن لأنّ هذا الإشكال بعينه هي الشبهة المشهورة، و هي: إن في العالم خيرات و شرورا، و الموجود الممكنيّ لا بدّ فيه من مؤثّر و ينتهى إلى مؤثّر قديم دفعا للدور و التسلسل، و المؤثّر في الخيرات و الشرور لا يمكن أن يكون مبدأ واحدا و إلّا لكان أمر واحد خيّرا و شرّيرا معا.
فخالق الأنوار و الخيرات هو القديم المسمّى بالنور عندهم أو يزدان، و خالق الظلمات و الشرور، هو القديم المسمّى بالظلمة عندهم أو أهرمن و قال تعالى دفعا لهذا الاعتقاد الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ [٦/ ١].
و هكذا قالت القدريّة الذينهم مجوس هذه الامّة إنّ في هذا العالم يوجد الكفر و المعاصي كما يوجد الايمان و الطاعات و اللّه تعالى منزّه أن يكون خالق الكفر و المعصية، فكلّ معصية و كفر فمنشأ صدورها و فاعلها و خالقها هو الشيطان أو العبد و إنّ اللّه تعالى هو فاعل الايمان و الطاعات و قال تعالى ردّا عليهم: وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [٣٧/ ٩٦] و قوله:
وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها [٩١/ ٧- ٨].